سيف الدين الآمدي
273
أبكار الأفكار في أصول الدين
ولما لم تكن ملكة البصر بالتفسير المذكور ثابتة للحجر ، لا يقال له أعمى ولا بصير . ومن خواص هذا التقابل : جواز انقلاب الملكة إلى العدم ، ولا عكس . وعلى [ هذا ] « 1 » إن أريد بالتقابل هاهنا تقابل التناقض بالسلب والإيجاب : وهو أنه لا يخلو من كونه سميعا ، وبصيرا ، ومتكلما ، أوليس ؛ فهو ما يقوله الخصم ، ولا يقبل نفيه من غير دليل . وان أريد بالتقابل تقابل المتضايفين : فهو غير متحقق بين البصر ، والعمى ، والسمع ، والطرش ، ونحوه . ثم وإن كان من قبيل تقابل التضايف ؛ فلا يلزم من نفى أحد المتضايفين ؛ ثبوت الآخر ؛ بل ربما انتفيا معا . وإن أريد بالتقابل تقابل الضدين : فإنما يلزم أن لو كان واجب الوجود قابلا لتوارد الأضداد عليه ؛ وهو غير مسلم . وإن كان قابلا فلا يلزم من نفى أحد الضدين وجود الآخر ؛ لجواز اجتماعهما في العدم ، ووجود واسطة بينهما . ولهذا يصح أن يقال : الباري تعالى ليس بأسود ، ولا أبيض . وإن أريد بالتقابل تقابل العدم ، والملكة : فلا يلزم أيضا من نفى الملكة تحقق العدم ، ولا بالعكس ؛ إلا في محل يكون قابلا لهما ؛ ولهذا يصح أن يقال : الحجر لا أعمى ، ولا بصير . والقول بكون الباري تعالى قابلا للبصر والعمى ؛ دعوى محل النزاع ، والمصادرة على المطلوب . وعلى هذا : فقد امتنع لزوم العمى ، والخرس ، والطرش في حق الله تعالى ، من ضرورة نفى البصر ، والسمع ، والكلام عنه « 2 » . وأما المعتزلة « 3 » : فإنهم قالوا في إبطال إلحاق الغائب بالشاهد في هذه الصفات : أن هذه الأحكام ؛ وهي العالمية ، والقادرية ، والمريدية ، ونحوها ؛ واجبة لله - تعالى - ، والواجب لا يفتقر
--> ( 1 ) ساقط من ( أ ) . ( 2 ) انتهى ما نقله ابن تيمية عن الآمدي في كتابه ( درء تعارض العقل والنقل 4 / 35 ، 36 ) . ثم علق عليه وناقشه . ( 3 ) انظر شرح الأصول الخمسة ص 172 ، 199 - 201 للقاضي عبد الجبار .